مباشر

دوائـر الوعـي الخمـسـة

يعرّف قاموس كامبريـدج الوعـي بأنـه «حالة فهم وإدراك شيء ما»، ويعرّف قاموس أكسـفـورد الحي الوعي بأنه «حالة دراية المرء بمحيطه والاستجابة له» و «وعي الشخص أو إدراكه الحسي لشيء ما» و «حقيقة دراية العقل بنفسه وبالعالم».

عندما كنت في أحد غرف الكلوب هاوس مستمعاً لبعض النقاشات، استمعت لشخص يدعى الدكتور أحمد سيف، هو رجل بسيط وطيب القلب لديه فكرة محددة بعنوان المحكمة الثورية، يكررها يوميـاً في جميع الغرف التي يدخلها بنفس الكلمات، هي كلمات يحفظها جيداً عن ظهر قلب ويرددها حتى أصبح غالبية المستمعين يحفظون حرفياً ما يقوله وسيقوله، ويرددونه وهم يضحكون ويسخرون من محدودية فكره، ويشفقون عليه بسبب إصراره على فكرة بالية كانت تردد أثنـاء ثـورة ينايـر في ميدان التحرير عام 2011م. لكن الدكتور أحمد لديه القناعة التامة بأن فكرته هي الحل الوحيـد لجميـع مشاكل مصـر والشـرق الأوسط في هذه المرحـلـة.

واثناء ترديده لفكرته التي حفظها الجميع، قاطعة الدكتور عمر وكان أحد المتحدثين في هذه الغرفة، وطلب منه أن يكف عن ترديد هذا الفكر العقيم، الذي لم يعد يناسب المرحلة الحالية وهو بالفعل كذلك، وبدء الدكتور عمر في الحديث وطرح الحلول من وجهة نظره الشخصية والتي لا تختلف كثيراً عن فكرة وفكر الدكتور أحمد سيـف من وجـهـة نظـري الشخـصيـة. 

ألهمني هذا الموقف فكـرة دوائـر الوعي الخمسة للبشرية، فقمت بتقسيم دوائر الوعي إلى خمسة دوائر، لا يوجد إنسان في العالم إلا ويوجد في واحدة من هذه الدوائر الخمس، واقصد بدوائر الوعي : أي مستوى إدارك وثقافة ووعي الفرد بحقيقة الأحداث التي تحدث في العالم، وحقيقة العلم والبشر وحقيقة من يسيـر العالم، ويكتب التاريـخ ويشعل الحروب، ويصنع الأزمات، ويتحكم في الأقتصـاد، فوجدت أن دوائر الوعي البشري هي خمس دوائر وعي، وأي إنسـان في العالم حتماً سيكون في واحـدة من هذه الدوائـر الخمس.

وعندما تفهم دوائر الوعي الخمسة، ستستطيع بسهولة معرفة نفسك في أي دائرة وعي، وكذلك ستعرف جميع من حولك، ومن تتعامل معهم في محيطك، وكذلك ستعرف أي شخص تتحدث معه في أي دائرة وعي وبناء عليه تستطيع الدخول لعقلة بالطريقة الصحيحة.

دائـرة الوعـي الأولى

وهي أقل دائرة وعي، ويكون صاحبـهـا ذو فكـر محدود جداً، لا يدري الكثير عن حـقـيـقـة الأحداث التي تجـري حولـه، سـواء كانت أحـداث سيـاسيـة أو أقتصـاديـة أو أجتماعيـة أو ديـنـيـة، وتقتصـر مـعـلـومـاتـه على البديـهـيـات والمسلمات البسيـطـة، التي تعلمـهـا من المجتـمـع المحيـط بـه، يمكننا القول أن دائـرة الوعـي الأولى هي أدنى مستـوى وعـي وفكـر، يكـون صـاحبـهـا لا يعلم ولا يدرك الكثير مما يجري حوله من أحـداث على جميـع الأصـعـدة، بسهولة تستطيع خداعـه وتمرير الأكاذيب عليه، رصيده من العلوم والمعرفة والإدراك محدود جـداً، ولا يمتلك عقليـة نقديـة نـهـائيـاً، يتلقى كل ما يسمعـه أو يتعلمـه دون شك أو نقاش، وهـذة الدوائـر لا عـلاقة لها بالمرحلـة العمريـة، فقد يكون شخص في مـرحـلـة عمـريـة صغيـرة ويمتلك هذه العقليـة، وأيضـاً قد يكون شخص تعدى الأربعون عـامـاً، ويمتلك نفس العقلية ويتواجد في نفس الدائرة، فهي ترتبط بمستوى إدراك الشخص للحياة.

دائـرة الوعـي الـثـانيـة

وهي أكثر وعيـاً وإدراكاً من دائـرة الوعـي الأولى، ولكنها تظل دائـرة وعـي محـدودة قيـاسـاً بدائرة الوعـي الرابـعـة والخامسـة، ويوجد بهذة الدائـرة معظـم البشـر تقريبـاً، أمثـال معظم خريـجي الـجـامـعـات بمختلف التخصـصـات، وهـم الذين تشكـل وعيـهـم من خـلال التعليـم والإعــلام بكافـة أشكاله، يعتقدون أنهم مثقفون وقد وصلوا مرحلة من الفهم والإدراك لواقعهم، ولكن الحقيقة خلاف ذلك تماماً، تجدهم يؤمنون بالعلم الزائف إيماناً مُطلقاً أكثر من إيمانهم بالله، رصيدهـم الحقيقي من الوعـي محدود، يشتركون مع دائرة الوعـي الأولى في عدم أمتلاكهم للعقلية النقدية والتحليلية لما يحدث حولـهـم من احداث، لذا لا يملكون فكر نقدي ولا تفكير خـارج الصنـدوق، تجدهم يشبهون بعضهم البعض في نمط التفكير، وهؤلاء هم معظم خريجي الجامعات، ومعظم الموظفون في العالم، وحتى غالبيـة المشاهيـر، وأصحاب المناصب الرفيعـة في جميع دول العالم، نستطيع أن نقول دائرة الوعي الثانية يوجد بها معظم البشرية تقريباً.

دائـرة الـوعـي الثالـثـة

وهي دائـرة الشـك، عندما يصل الشخص إلى الشـك في البديـهـيـات والثـوابت التي تعلمـهـا أو عرفـهـا في مخـتـلـف مراحـل حيـاتـه، ويُعيـد التفكيـر فيـهـا من جـديـد، فإنـه يكون في دائـرة الوعـي الثالثـة، وهي تجـمـع الخارجيـن من دائـرة الوعـي الثانيـة للبـحـث والتقصـي من اجـل الوصـول إلى فـلـسـفـة الأحـداث وحـقيـقـتهـا، وهـؤلاء دخـلـوا في مرحـلـة الشـك لأسبـاب مختـلـفـة في البديـهيـات والثـوابت التي تعلـمـوهـا عبـر مراحـل حيـاتهم، وهم المفكـرون خـارج المصـفـوفـة، ولديـهـم أسئلـة ويبحثـون عن إجـابـات لـهـا، وهي مرحلـة ودائـرة وعـي يشعـر صاحبـهـا بعدم الثـقـة في كثير مما تلقاه من مـعـلـومـات سـواء في التعليـم أو من الإعــلام أو دور النشـر، ويظـل الإنسـان في دائـرة الوعـي الثالثـة حتى يصل بعد رحـلـة بحـث وتقصي عن التفسيـر الصحيـح والفهم التفصيلي لكل تساؤلاته، وحينها ينتقل إلى دائـرة الوعـي الرابـعـة.

دائـرة الوعـي الرابـعـة 

وهم الصاعـدون من دائـرة الوعـي الثالثـة، بعد شـك ورحـلـة بحـث طويـلـة، وهي دائـرة الوعـي الأكثـر نضجـاً وفـهـمـاً لحـقيـقـة العالـم مـن حولـهـم، وهـؤلاء قلـة قلـيـلـة في العالم، يفكـرون خـارج الصنـدوق ويفهمون حـقيـقـة الأحـداث التي تجـري من حولهـم، ويفـهـمـون جيـداً ما وراء الأخبـار التي يسمعونها أو يشاهدونها في وسائل الإعـلام المختلفة، المتواجدون في دائرة الوعي الرابعة قد خرجوا من المصفوفة أو من الماتريكس، يعرفـون جيـداً من يحـرك الأحـداث في العالم، ويفهمون جيـداً أن هنـاك فئـة من البشـر يضـعـون سيـاسـات العالم، ويتحكمون في كتـابة التاريـح، ويملكـون العلم والمعرفـة، ويتحكمون في الصناعـة، ويسيطرون على التجـارة والزراعـة، ويشعلون الحـروب والفسـاد في العالم، هـؤلاء باختصـار هم المسيطرون على الأرض، وهم من يمسكون بزمام الامور والأحداث في العالم، وهم من يرسم لباقي شعوب العالم مستقبلها وتعليمها وطريقها في المائة سنة الأخيرة، ولن تفهم ذلك يقيناً، إلا عندما ترتقي لدائرة الوعي الخامسـة.

دائـرة الوعـي الخامـسـة 

وهي أعلى دائـرة وعـي في العالم على الإطـلاق، وهي دائـرة وعـي لم ولن يدخلـهـا إنسـان إلا عندما يقتـرب من الإلـه المُهيمن على هذا الكـون، هذا الوعـي هو نابـع من فـهم الـقـرآن والسُنة النبـويـة، لأنه سيفهم حـقيـقـة أحـداث العالم من المصـدر الذي قـدّر هذه الأحـداث، وسيعلم  الحقيـقيـة المُطلـقـة لكل شئ، سـواء حـدث في الماضي، أو يحـدث في الحاضـر، أو سيحدث في المستقبل، ولكن يجـب أن يفهم ويعي القرآن والسُنة النبوية بشكل صحيـح، وأن يجعلهم منـهـج حيـاة لـه، المتواجدون في دائرة الوعـي الخامسـة لديهم وعـي كبير ومميز، وبصيـرة تـرى وتـفـهم كل شئ، يفـهمـون الاحـداث الكونيـة، والأفعال البشـريـة، سيفهم رواد هذه المرحلـة حـقـيـقـة المُلك والملكوت، وسيقرأون ما خـلـف الأخبـار، ولن يستطيع أحـد خداعـهـم بعلوم مُضللة، لأن فهم وإدراكهم لكل شئ في الكون نابع من مصدر العلوم كلها .. القرآن والسُنة النبوية، وستجدهم على دراية كبيرة بحقيقة جميـع الأحـداث والعـلـوم والسيـاسـة والأقتصــاد، وبعدها سيتحرك في الأتجاهات الصحيحة، وستجد آرائهم صائبة في كل شئ .. وعنـدما يصل المسلم لدائرة الوعي الخامسة يكـون الخليفة الحقيقي الذي أراده الله تعالى لهذة الأرض، لأنه سيفهم لماذا خلقه اللـه، وما هي مهمته الحقيقة في الأرض.

هذه الدائرة من الوعي هي ما كان فيها الصحابة رضي الله عنهم والسلف الصالح، لذلك كانوا سـادة الأرض وقـادتـهـا، لأنهم فهموا حـقـيـقـة الدنيـا، وحـقـيـقـة وجودهم فيـهـا. 

 وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ. ( البـقـرة )

أضف تعليق